الشيخ محمد رشيد رضا

200

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كما وقع منذ زمن الرواية والتدوين والتصنيف إلى اليوم ، فاللّه تعالى قد ذكر أولي الأمر هنا بصيغة الجمع وكذلك ذكرهم بصيغة الجمع في الآية الآتية التي ينوط فيها الاستنباط بهم بقوله ( 82 لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) فعلم من ذلك أنه يجب أن يكون لأولي الأمر مجمع معروف عند الأمة لترد إليهم فيه المسائل المتنازع فيها والمسائل العامة من أمر الأمن والخوف ليحكموا فيها ، والظاهر أن طاعتهم تجب على الحكومة وافراد الأمة إذا هم أجمعوا وانه يجب على الحاكم والمحكوم رد المسائل العامة والمتنازع فيها إليهم سواء اجتمعوا بأنفسهم أو بطلب الأمة أو بطلب الحكومة بشرط أن يكونوا هم هم ، فإن قيل أرأيت إذا انتخبت الأمة غير من ذكرتم وفاقا للرازي والنيسابوري أنهم أولو الأمر ليكونوا هم المستنبطين لما تحتاج اليه من الاحكام والقوانين ، والمشرفين على الحكام والمستشارين لهم ، أيكون أولو الأمر من وصفتم وان لم تنتخبهم الأمة أم يكونون هم المنتخبين من قبل الأمة وان فقدوا تلك الصفات ؟ أقول في الجواب ان الأمة إذا كانت عالمة بمعنى الآية ومختارة في الانتخاب عالمة بالغرض منه لا يمكن أن تنتخب غير من ذكرنا انهم هم أهل المكانة الموثوق بعلمهم ورأيهم وإخلاصهم عندها لأن هذا هو الذي تقوم به مصلحتها الدينية والدنيوية ويتحقق به العمل بما هداها اللّه اليه في كتابه ، فانتخابها إياهم أثر طبيعي لثقتها بهم ولعلمها بهدي دينها ، وان كانت جاهلة بما ذكر أو غير مختارة في الانتخاب فلا يكون لانتخابها صفة شرعية . وانما الخطاب في الآية لأمة الإجابة في الاسلام وهي المذعنة لأمر الاسلام ونهيه العالمة بما لا بد من علمه فيه . ولعل جهل الذين كانوا يدخلون في الاسلام أفواجا في الصدر الأول بهذا الحكم ، وعدم معرفتهم لأولي الامر ، كان أحد الأسباب ، في عدم العمل بقاعدة الانتخاب فان قيل أيجب انتخاب جميع أهل الحل والعقد لأجل الاجتماع لاستنباط الأحكام العامة التي تحتاج إليها الأمة في سياستها وادارتها العامة أم يكتفى ببعضهم ؟ أقول الظاهر أنه يكتفي بأن يقوم بذلك من تحصل بهم الكفاية برضى الباقين ، فإذا فرضنا ان المملكة مؤلفة من مئة مدينة أو ناحية في كل واحدة منها عشرة من أولي الامر الذين يثق أهلها بعلمهم ورأيهم وينقادون لهم يكون مجموع أولي